التخطيط للفشل

في عام 1884، بدأت أرملة ثرية اسمها سارة وينشستر مشروع بناء كان من الضخامة بحيث انه شغل حياة النجارين والحرفيين حتى وفاتها بعد ثمانية وثلاثين عاما. قصر فيكتوريا الذي صممته وبنته و ينشستر حفل بالكثير من الشذوذ غير المفسر، حتى بات يعرف باسم وينشستر قصر المتاهة.

سارة وينشستر بنت قصراُ يعد معجزة معمارية، فاق في تفاصيله كل البيوت والقصور المحيطة به. تكون المبنى من 160 غرفة، وحوى نظام تدفئة وتصريف مياه على أحدث طراز، نظام إضاءة غازية يعمل بالأزرار، ثلاثة مصاعد، و47 موقدا. تفاصيل خلابة، للأسقف المعروشة، وأرضيات ممردة، وقبضات مرصعة بالذهب والفضة، ونوافذ مزجاة. ستبهرك درجة الإبداع، الطاقة، والرفاه المتجسد في كل تفاصيله.

لعل بعض الإحصاءات عن القصر تثير إعجابك من الوهلة الأولى لسماعها. فقد بني على مساحة 162 فدان قلصت إلى 4 في وقتنا الحاضر. وكلف بناؤه ما يقارب الخمسة ملايين دولار آن ذاك في مدة قاربت 38 سنة من البناء المتواصل.  و هو يحتوي على سبعة طوابق قبل أن تهدم هزة أرضية ثلاثة منها سنة 1906م. وبه قبوان، و 160 غرفة منها 40 غرفة نوم، و 5 أو 6 مطابخ. وبه 40 سلماً جمعت 367 عتبة، و 52 منورا. مجموع ما به من الأبواب – عدا أبواب الدواليب – 950 بابا، وبه 467 ممرا. وبه ما يقرب من 1257 إطار للنوافذ التي حوت ما يقرب على 10000 لوح زجاجي. وبه 47 موقداً، و 17 مدخنة.
 تخيل كل ذلك وليس للبيت أي مخطط كامل!

لم تضع سيدة وينشستر تصميما متكاملا لهذا المبنى قبل البدء به، لكنها كانت تضع مخططات منفردة لكل جزء منه على ورق بل حتى على مفارش الموائد، كلا على حدة. لن يكون ذلك ختام ما تندهش له في هذا القصر، لكنه أول ما يفسر العجائب والشذوذ الذي تخلل القصر في ختامه، لتجد في تجوالك فيه، سلالم وأبواب في جدران مغلقة لا تؤدي لأي مكان. بعض الغرف لا تزيد مساحتها عن نصف متر مربع! وبعضها بسقف لا يعلو عن الأرض بأكثر من خمسين سنتيمتراً.. كذلك بالنسبة للمرات، فبعضها مسدود أي أنه لا يؤدي إلى أي مكان.. وبعضها ينتهي في الهواء الطلق.

تقول الرواية - والعهدة على الراوي - سيطر الرعب على المليونيرة زوجة صاحب المصانع الشهيرة للبنادق الحربية أوليفر وينشستر، فصارت تتخيل أن الأرواح الشريرة وأشباح الأشخاص الذين قتلوا بالبنادق التي صنعها زوجها سوف تنتقم منها أشد انتقام، وأنها في حاجة ماسة لحماية نفسها من تلك الأرواح والأشباح. فأشار أحد العرافين عليها بالاستمرار في بناء غرف إضافية لقصرها بحيث يضيع  الشبح بين أرجاء القصر الكبير، فلا يعرف طريقه إليها!!

حين لا تخطط للنجاح، فأنت تخطط للفشل.

إن أي عمل ناجح يقوم على أساس الدراسة والتخطيط وحساب النتائج المتوقعة مسبقاً قبل الشروع فيه. فمن المنطقي أن لا يقدم أحدنا على تنفيذ مشروع قد بيَّنت الدراسة المسبقة لنتائجه حتمية فشله. وإلا كانت العبثية وإهدار الجهد والوقت والمال هي الوصف الأجدر لمن يقوم بمثل هذا المشروع.
لا شك في أن تحديد الأهداف والثوابت لأي عمل هو خطوة من خطوات العمل المنظم. ولكن للوصول لهذه الأهداف وضمن الثوابت المحددة، لا بد من وضع آلية عمل (استراتيجية) تكفل ذلك عبر فترة زمنية مقسمة لمراحل حسب المدى الزمني الذي يستوعب تحقيق هذه الأهداف.
أما في غياب هذه الاستراتيجيات فإن العمل لن يرتقي للمشروع وسيكون أقرب للعبثية التي يبطنها بعضهم بمصطلح (الأمور تمشي بالبركة)، ويكشفها آخر بقول (زرع المجانين يطلعه رب العالمين).

مقالة التخطيط للفشل - 2


التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
طيرمحبوس
[ نادي - السلام ]: 6 / 1 / 2009م - 5:52 م
موضوع اكثر من رائع ..

فمن باب المغامرة أنك تسلك طريق .... لا تعرف نهايته.
ولو تبين لكل شخص الحقائق والصواب قبل فعل الخطأ لما اصبح هناك تفاوت بين شخص واخر في الحياة ..
فمن منطق العقلاء ان لكل عمل نهاية.
ففكر في نهايته قبل بدأ لكي لا تكون العواقب وخيمة..